أثر البكاء
فتحي عبدالله
الملاك الحارس
يملؤك الفرح الآن
يا صديقي العزيز
وهم يأخذونك من وراء
الأشجار والمياه
لتعرض أسنانك البيضاء
أمام الملاكمين
وهم يلهثون في ذهول
ربما يموت دون أن نأخذ
ذرة من هوائه الكبير
ودون أن تمر جثته
علي الملاك الذي يحرس
السجون
فقد أخذت رائحته
الأطراف والعيون
من النوم
لحيته البيضاء حنان زائد
عن الحد
وأمومة لجناحين سوداوين
ترى الجنازات في الشوارع
والحدائق
بينما أصحاب الرؤوس الحليقة
يحملون المحفات
والجثث إلي الطائرات
ويصرخون في النهار
كالأرامل
لابد أنه راجع من شمال
البلاد
والعدسات التي تطلبه
وهو يقفز بين الوديان والسهول
لا لوز له
ولا تفاح
ينام علي عصاه التي تعرف
المحيطات
وتتبعه الذئاب من سفينة
إلي أخري.
في الطواف الأخير
يري جثة أبنائه تعلو
علي أسوار مكة
وسط هتافات من المقتولين
والمخلوعين بثيابهم البيضاء
يضع يده علي آخر الروح
التي تدور علي المآذن
’محمد’ لم يترك لنا سعفة
من نخيل الجبال
ولا آية يحملها المالكون
إلي أول النبعوانما هواء لكل المراكب
لا فرق بين الحرير والأقطان
التي جمعوها بالكفوف الصغيرة
كلهم يسمعون طبله
من أعالي الجبال
الماعز يحمل كوفيته البيضاء
إلي مزارع
آخذه الطوفان
وآياته بين القاتل والمقتول
لا صحائف سوداء
الفراشات في أول السرادق
لا تمنح المعزين
لحظة للبكاء الطويل
فقد أحاطها العازفون من كل
جانب
وهم يحملون قمصانه الحمراء:
أثناء زيارة الجنيد للملاكمين
علي الحلبة الصغيرة
أخذني من القدم اليسرى
وأطلعني علي المخطوطات
التي عثر عليها
الإيقاع المسموع في الحجرات
لهاث مقطوع
لا يأخذه البيانو
أثناء النوم
أو لعب الحيوانات المطرودة
من غاباتها الأولى
ولا أسمعه في المراكب
الأنفاس التي تلاحقني
تلهب أصابعي
وأعرف أصحابها
من المقاهي والحانات
وربما الحقول التي ورثوها.
إيقاعاتهم بالعيون
وربما بالإشارة
بعد أن تأخذ الأحداث
طريقها إلي الإعلان
لحيته لم يعرفوها من الملفات
ولم يقطعوا بسوادها
وعندما قبضوا علي خياله
السارح فوق أسطح المدينة
همسوا بجوار أذنه:
أن اليوم أحد
وجسد واحد يكفي
لمرور العربات
فقد أخذت منا كثيرا
حتي نفرح بذراعك العارية
فقد قرروا
أن يعرضوا أعضاءك
في متحف كبير
لبقايا رجل
***
رجل أخضر يوزع المسك
هذه يا صديقي
آخر رحلة للصيد
في البراري
قبعتك السوداء
تشير إلي العاصفة
وهم نائمون في وسع النهار
يسمعون الأقدام
التي تهبط
من وراء البحر
محملة بالروائح الثقيلة
لا مقامات هنا
ولا أوتار
جثة حرقها الملاكمون
منذ سنوات بعيدة
وتركوا لها الأمطار
عن ظهر قلب
منذ أن طاف’ إلياس’
يطلب نورا من الخيام
القريبة
وأحبته امرأة
تعلن في الصباح:
أن زارها جنود
يلعبون النرد
ووضعوا لها في الميادين العامة
تماثيل بيضاء
دون أن يلمسوها
ولها بين المصلين من
يخبرها عن اللسان الفصيح
ولا ترد من يحمل أخفافها
أو ملابسها الداخلية
إلي بئر قديمة
وتترك الدراويش في حفلات
السهر
ينظرون إلي بطنها
في ذهول
الكحول لا يترك الخيال
علي فطرته الأولي
ويحمل الجنودعلي زيارة
المقابر
بينما أسمع من وراء
المنازل
شهقات من يقتلون
أو يفتحون أبواب الحجرات
الكبيرة
لزائر
لا ينام بالليل
ويعرف الإشارات من الرجل
الأخضر
الذي يوزع المسك
في الأسواق
ويعرف شقتي من الزفير
الذي يحرق الأصابع
وربما من الجثث
التي أضعها باستمرار
أمام أريكتي الخالية
وأظن أن مسدسه الآن
تحت الوسادة:
ربما قابلته في قطار
الشمال
وضحك للعميان في المقهى
المجاور
الكوفيون يعرفونه
كما جاء في الصحف الأولى
ولا يذكرون العلامة
ولي
من إيقاعه المهزوز
خطوة
بين الخيال والزفاف
أحيانا يعرج في نزهات الصيد
في مطعم’ الساعة’
لم يكلم أحدا
وأشار للحراس الذين
يتبعونه في الممرات
ألا يهملوا الإشارة التي
تأتي من الهاتف الأحمر:
بأن الذي يبكي بجوار
الخادمة
عليه أن يري جثة أبنائه
في الطريق العام
وبعد أن يعبر المزارعون
بأصواتهم
التي تعلو وتهبط
كأنهم في جنازة
يأخذونه في لقطة طويلة
والفتيات من حوله
المصورون يأخذون الزوايا
التي تناسب كفه الكبيرة
وربما خطوه الذي يميل إلي
الشمال قليلا
أو ربما يتوجسون من عيونه
التي تلمع
أو عواطفه التي تفيض
أحيانا يعرج في نزهات
الصيد
له طير يسير علي أنفاسه
الحارة
ويسمع ما يقول من أسرار
وعندما يشغلونه بالجثث
التي تسقط من القطار
في آخر الليل
لم يقطع بأنها وحيدة
وأن ما حدث لها مكتوب
في الصفحات الأولى
وأنهم صفقوا لعابر مجنون
يحمل طبلة
ربما عثر عليها في احدي
الخرابات التي ينام بها
ولكي أكون واضحا
لابد أن أنظر إلي المذيعة
الشقراء
وأحرك أقدامي بخيال
من ترك الحقول
منذ عشرين عاما
ولا أعفي اللصوص الذين
حملوا صوري
إلي متاحف نيويورك
أو وضعوها هكذا للكلاب
في الشوارع
أو علي حافة المستنقعات
وإنما أدفعهم جميعا
ـ ربما بخيالي ـ
إلي خرابة في آخر البيت
كلها ظلام
وعندما يرجع إلي الخلف
يعرضون في لقطات سريعة
أحذيته البيضاء
الطبيب الذي يعالجه من السرطان
صور الذين قتلهم
في سنة واحدة لم يغمض عينيه أمام النور
الذي يغمره
ورفع رأسه لأعلي
لا أستطيع أن أضحك
في حرارة
أقل من ذلك
استعراض البابلي
لم تستطع الملائكة
الذين يحرسون خطوه
أن يتحملوا بكاءه
في اليوم السابع
وعرضوا علي المخرج الذي
يعرج في اللقطات الطويلة
أن يأخذ قميصه هدية
وأن تكون لحيته في المشهد
الأخير
وأن يري بعينيه اللامعتين
ابنته الكبرى
تقتل زوجها
وتصرخ في المطارات
والموانئ:
إن الله زاره
في الممرات
أثناء الحرب
وأعطاه كوفية خضراء
يلبسها في الزحام
ويقتل أصدقاءه
حتي يعودوا إلي جناحه
الأبيض
ويحملوا روحه
إلي رعاة في الجبال
يحرقون الأشجار والغزلان
التي تمر أمام الكهوف
ويشمون اللوز
الذي تركه’ تروتسكي’
لقاطعي الطريق
دون أن يسألوا
عن ذراعه المسروقة
من المتحف المجاور
ودون أن تأخذهم الطبول
إلي الأدوار العليا
وربما انقطعوا لسنوات
طويلة
عن البكاء في صحن
الجامع
ولا سمعوا هلوسات المخلوعين
في العراء
بأن الأزهار حفظها
المقتول
ووضع المفتاح أثناء
نومه
في سروال عاهرة
تشهق في الصباح:
إن الزيارة الليلة
لم يصورها الغرباء
وهربوا وهم يحملون الإعلان
عن مسابقة
’للبيس بول’
المراهنون يلقون أوراقهم
في البورصة الكبيرة
المصور لم يجد حذاءه
تحت السرير
ولا قبعته السوداء
ولم يشم رائحة القطط
التي تتبعه
علي السلالم
ولا شهقات حبيبته التي تسرقه في النهار
فأخذ’ الكاميرا’ إلي جثث
أبنائه
الصورة لا ينقصها الذراع
وإنما الأمطار التي تسقط علي
الشمال
وفي إحدى اللقطات
من المخابئ
وجدوه يصعد في
محفة من الطيور
إلي هيكل من عظام
*****
ذراع سعدي يوسف العالية
’وولت ويتمان’
لا تأخذ أصحاب الضفائر الطويلة
إلي بغداد
واذكر سعدي يوسف
بعد أن رجع من موسكو
وهرب من قطار الموت
ليقابل الملاكمين الصغار
في لندن
وهم يزخرفون الأواني
والأقراط
ويذكرون’ الإمام’
في السر
لعله في كهوف البوذيين
أو في أعالي الجبال
مع الدفوف
والراقصات بجوار الكرز
أو ربما يطوف مع الحيتان
فقد جاءت’ نينوى’
مع المراكب
واللوز فاض علي رعاة
الماعز
لم يقبضوا علي الصواري
ووجدوه
يعوم كالهلال
بجوار السفائن الكبيرة
ولا حرير معه
’ويتمان’
أرجوك أخيرا
ألا تضحك من الدراويش
في حلقات الذكر
وألا تقول:
إن’ سرجون بولص’
فتاة هاربة
من نيويورك
بعد أن خلع غطاء الرأس
وحلق لحيته الشهيرة
وجلس إلي عاهرات الشوارع
يحكي عن’ جان دمو’
ونومه في الحدائق العامة
مع اللوطيين
دون أن يلمسوا ساقه
المليئة بالجروح
فقد شاهدوا العذراء
تحمله من فيضان إلي
آخر
حتي ذهب إلي استراليا
*****
هلوسات تركي النصار
هلوسات’ تركي النصار’
بأوفيليا
والجثث البيضاء التي تتوافد
علي المشرحة
بينما أمه
في الحجرات البعيدة
عن الشمس
تحكي عن الهواتف المفتوحة
في ليلة الاحتفال بعاشوراء
دون أن ينقص أحد
ولا يعني ذلك
أنه مقتول
أو مخطوف في كندا
أو أن ما حدث
كان يخص الغابة بأشجارها
دون أدنى اعتبار للممثل
الذي صعد علي الهضبة
بلحيته الطويلة
أو على جسور’ مادسون’
خوفا من الرهانات التي
عقدها المخرج
علي ملاكم آسيوي
تربي في المخابئ
عيناه وحشيتان
وفي لقطات كثيرة
يبكي
لأن الجنود ل























ما يقوله الشاعر فتحي عبد الله في هذا الحوار مفاجئ بحق، لكنه في النهاية صاحب مرجعية خاصة وشعرية متميزة، يري أنها الأجدر بالتمثيل.. وتحت وطأة الموقف المؤسسي الرافض للشعر الجديد عموماً يجد عبد الله نفسه بعيداً عن مركز الضوء، ربما هذا ما دفعه الى ممارسة الكثير من العنف. في هذا الحوار يتناول فتحي عبد الله كثيراً من الظواهر الشعرية التي صاحبت حقبتي الثمانينيات والتسعينيات في مصر ويري أن الشعرية الجديدة تحاول التخفيف من التاريخ وخصيصة المكان بحثاً عن المشترك الإنساني، وهو ما يمثل ردة في موقفه الفكري الذي كان داعياً الى التمسك بتلابيب خصيصة المكان والإغراق فيما هو أسطوري وتاريخي، وهي ردة أري أنها تعبر عن انفكاك مأزق التأسيس الأول الذي كان ضارياً في مواجهة نص جاء مُنخلِعاً من كل مرجعية وذاهباً الى أحضان المجانية دون ادني اكتراث بما يمكن ان نسميه باجتراح الإجماع الإنساني بفظاظة وانتهاك المشترك الذي تؤسسه الجماعة دون ادني قدرة علي تحقيق مشتركات بديلة.